محمد بن جرير الطبري

331

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

أنشده ، وقالوا : إنما ذلك من المتكلم على ابتداء الكلام بالخبر عن عموم جميع الأشياء ، إذ كانت " ما " كلمة تجمع كل الأشياء ، ثم تخص وتعم ما عمته بما تذكره بعدها . * * * وهذا القول عندنا أولى بالصواب . لأن زيادة ما لا يفيد من الكلام معنى في الكلام ، غير جائز إضافته إلى الله جل ثناؤه . * * * ولعل قائلا أن يقول : هل كان للذين أخبر الله عنهم أنهم قليلا ما يؤمنون - من الإيمان قليل أو كثير ، فيقال فيهم : " فقليلا ما يؤمنون " ؟ قيل : إن معنى " الإيمان " هو التصديق . وقد كانت اليهود التي أخبر الله عنها هذا الخبر تصدق بوحدانية الله ، وبالبعث والثواب والعقاب ، وتكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ونبوته ، وكل ذلك كان فرضا عليهم الإيمان به ، لأنه في كتبهم ، ومما جاءهم به موسى ، فصدقوا ببعض - وذلك هو القليل من إيمانهم - وكذبوا ببعض ، فذلك هو الكثير الذي أخبر الله عنهم أنهم يكفرون به . * * * وقد قال بعضهم : إنهم كانوا غير مؤمنين بشيء ، وإنما قيل : ( فقليلا ما يؤمنون ) ، وهم بالجميع كافرون ، كما تقول العرب : " قلما رأيت مثل هذا قط " . وقد روي عنها سماعا منها : مررت ببلاد قلما تنبت إلا الكراث والبصل " يعني : ما تنبت غير الكراث والبصل ، وما أشبه ذلك من الكلام الذي ينطق به بوصف الشيء ب‍ " القلة " ، والمعنى فيه نفي جميعه . ( 1 ) * * * القول في تأويل قوله تعالى : { وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ } قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله : ( ولما جاءهم كتاب من عند الله

--> ( 1 ) انظر ما سلف 1 : 554 ، تعليق : 1 ، وانظر معاني القرآن للفراء 1 : 59 - 60 .